معرفة

ريم رفقة أبي حامد: إشراقات الروح في عتمة المادية

تصحبنا الكاتبة ريم بسيوني في رحلة برفقة أبي حامد الغزالي، لنكتشف كيف نجحت في جعل الغزالي معاصرًا لنا، وكيف أعادت طرح قضايا القلب كقضية ثقافية كبرى.

future كتاب «برفقة أبي حامد الغزالي إصلاح القلب»

المقال الفائز بالمركز الأول في مسابقة دار المعارف «قراءة واعية»

المادية والروح

ثنائية أزلية، لا تنفك الأولى في مزاحمة الثانية، ولا تستقر الثانية في ظل الأولى... حرب مستمرة في كل زمان، وكل بقعة، والأهم: في كل نفس بشرية. في هذا الكتاب تبعثر ريم بسيوني كل الأوراق، ثم تقوم بتجميعها وترتيبها من جديد، حتى تعيد تصميم المعنى في الوجدان.
الرحلة من كتب التاريخ إلى كشف الذات.

لطالما برعت الدكتورة ريم بسيوني في إحياء التاريخ عبر رواياتها التي استنطقت فيها الحجر والبشر في مصر الإسلامية، فنجدها في ثلاثية المماليك: تعيد رسم الملحمة التاريخية الفريدة التي تقع في قلب القاهرة المملوكية، تتماهى فيها قصص الحب الوجدانية مع صراعات الحكم وبناء العمارة الإسلامية الشامخة (مسجد السلطان حسن)، مستعرضة صمود الروح المصرية أمام التحولات الكبرى. ونجدها في ثلاثية القطائع تأخذنا إلى عصر أحمد بن طولون، لتنسج بناء مدينة القطائع ومسجدها الشهير، حكايات عن الهوية والبحث عن الذات، كاشفة بأسلوب لغوي راقٍ عن جذور الشخصية المصرية وتفردها الحضاري.

و«الغواص»: هذه الرواية الوجدانية التي تسرد فيها سيرة الإمام أبي حامد الغزالي، مترحلةً بنا بين الشك واليقين، والجاه والعزلة، لتقدم الجانب الإنساني والروحي لواحد من أعظم مفكري الإسلام في رحلته لاكتشاف الحقيقة. لكننا نجدها هنا في كتاب: «برفقة أبي حامد الغزالي» تخلع ثوب الروائية، لتلبس وشاح المريد والمحلل النفسي واللغوي. هذا الكتاب ليس سيرة ذاتية للإمام الغزالي، فقد سبق وقدمتها كما قلنا في رواية «الغواص»، بل هي مكاشفة وجدانية تسعى لترميم التصدعات في قلب الإنسان الحديث.

فلسفة إصلاح القلب كمحور للوجود

تنطلق ريم بسيوني من الفكرة المركزية لدى حجة الإسلام، ومن قبله من كبار المتصوفين:

«القلب هو الملك، والجوارح هي الجنود».

ومن خلال تتبع فصول الكتاب، نجد أن الكاتبة لم تكتفِ بنقل نصوص الغزالي من «إحياء علوم الدين»، بل قامت بعملية تجسير معرفي. لقد صهرت المفاهيم الصوفية المعقدة لتقدمها كمنظومة أخلاقية وعلاجية صالحة للقرن الحادي والعشرين. تتحدث ريم بسيوني في لقاءاتها عن الخوف والرياء والكبر ليس كمصطلحات فقهية، بل كأمراض نفسية تعيق الإنسان عن تذوق طعم السعادة والسكينة. الكتاب يطرح تساؤلًا جوهريًا: كيف نصل إلى القلب السليم وسط ضجيج المادة وصراعات الأنا؟ الإجابة تكمن في الرفقة؛ أن تصاحب فكر الغزالي لترى عيوب نفسك، لا لتنقد الآخرين.

أثر الإصدار في مسيرة الثقافة العربية المعاصرة

يمثل هذا الكتاب حجر زاوية في مسيرة الثقافة العربية لعدة أسباب جوهرية:

أنسنة التراث: استطاعت ريم بسيوني أن تخرج الغزالي من أُطُر القراءات التقليدية الجامدة، ومن صراعات المتكلمين والفلاسفة، لتقدمه «كطبيب للقلوب». هذا التوجه يساهم في إعادة ربط الشباب العربي بهويتهم الروحية، بعيدًا عن التشدد أو التسطيح.

كسر المركزية الذكورية في التناول الصوفي: من النادر أن نجد كاتبة عربية، أكاديمية متخصصة في اللسانيات، تخوض في غمار الفكر الغزالي بهذه الجرأة والعمق. لقد أضفت ريم بسيوني لمسة من العاطفة العاقلة على نصوص الغزالي، مما جعلها أكثر قربًا من الوجدان الإنساني العام.

العودة إلى الأخلاق كمنطلق للإصلاح: في وقت انشغلت فيه الثقافة العربية لسنوات طوال بالجدل السياسي والاجتماعي، يأتي هذا الكتاب ليوجه البوصلة نحو الداخل. إن رسالة الكتاب الضمنية هي أن إصلاح المجتمع يبدأ حتمًا من إصلاح الفرد لقلبه، وهي دعوة لاستعادة التوازن المفقود.

بين «الغواص» و«الرفقة»: نضج التجربة

في أحاديث الكاتبة عن الكتاب، توضح ريم بسيوني أن علاقتها بالغزالي بدأت بحثًا وانتهت عشقًا. إذا كانت رواية «الغواص» قد رسمت لنا ملامح الغزالي الإنسان الذي ترك الجاه والتدريس ليرحل في طلب الحقيقة، فإن كتاب «برفقة أبي حامد» هو الثمرة الروحية لهذا الرحيل. الكتاب يخاطب القارئ بضمير «أنت»، وكأن الكاتبة تمسك بيد القارئ لتعبر به مفاوز النفس، مستندة إلى إرث الغزالي وتجربتها الشخصية في قراءته.

اللغة والأسلوب: جزالة المعنى وسلاسة المبنى

استخدمت الكاتبة لغة تتسم بالرقي والوضوح في آن واحد؛ لم تسقط في فخ التقعير اللغوي الذي قد ينفر القارئ غير المتخصص، ولم تبتذل المفاهيم العميقة بالتبسيط المخل. إن قدرتها على شرح مفاهيم مثل المجاهدة والفناء والتوكل بأسلوب يمس قضايا العصر (مثل القلق والاكتئاب، والسعي وراء الإطراء الزائف في وسائل التواصل الاجتماعي) هو ما منح الكتاب مشروعيته الثقافية الواسعة.

التلقي الجماهيري: ظاهرة «الغزالي» من جديد

من خلال مشاهدة التفاعل في الندوات وحفلات التوقيع، يظهر جليًا أن هناك تعطشًا لنموذج التدين الروحي الذي يقدمه الكتاب. ريم بسيوني لم تقدم كتابًا ليُقرأ ويُوضع على الرف، بل قدمت منهج حياة. الأثر الذي تركه الكتاب في القراء يظهر في تداول مقولاته، وفي النقاشات التي فتحها حول مفهوم التزكية في الفضاء العام، مما يعزز من قيمة الثقافة البانية التي لا تكتفي بالنقد بل تقدم البديل الروحي.

خاتمة: نحو نهضة قلبية

إن كتاب «برفقة أبي حامد الغزالي إصلاح القلب» هو صرخة في وجه التشييء الذي يعاني منه الإنسان المعاصر. لقد نجحت ريم بسيوني في جعل الغزالي معاصرًا لنا، وجعلت من قضايا القلب قضية ثقافية كبرى. هذا الإصدار يؤكد أن الثقافة العربية بخير، طالما أنها قادرة على استنطاق كنوزها القديمة بلغة العصر وهمومه، وطالما أن هناك عقولًا تدرك أن العلم بلا قلب هو جسد بلا روح.

إننا أمام عمل لا يُقرأ بالعين فحسب، بل يُقرأ بالبصيرة، وهو دعوة مفتوحة لكل من ضاق بضجيج العالم أن يجد ملاذه في رحاب القلب السليم.

top-ads

# قراءة واعية # مسابقة دار المعارف

حفيد الجبرتي يرسم لنا «خطط القاهرة»
وثيقة الوجدان والمسيرة: «دار المعارف ـ 125 عامًا من الثقافة»

معرفة